Skip links


إدارة النفقات الخاضعة للرقابة: دليل شامل لتعزيز كفاءة المشتريات

إدارة الإنفاق الخاضع للرقابة: دليل شامل لتعزيز كفاءة المشتريات

في عالم الأعمال المعاصر، تُمثل الإدارة الفعالة للنفقات حجر الزاوية لتحقيق الاستدامة المالية والنمو. إن القدرة على فهم وتوجيه أين وكيف تُنفق الأموال ليست مجرد ممارسة محاسبية، بل هي عنصر استراتيجي يُمكن المؤسسات من تحسين أرباحها، وتقليل المخاطر، وتعزيز علاقاتها مع الموردين. ومن بين المفاهيم الأساسية في هذا المجال يبرز “الإنفاق تحت الإدارة” أو ما يُعرف بـ (Spend Under Management – SUM)، وهو مؤشر حيوي لقدرة إدارة المشتريات على التحكم الاستراتيجي في نفقات المؤسسة. تهدف هذه المقالة إلى تقديم فهم شامل لهذا المفهوم، وبيان أهميته، وكيفية قياسه وتحسينه.

ما هو الإنفاق تحت الإدارة؟

يُشير مصطلح “الإنفاق تحت الإدارة” إلى إجمالي قيمة النفقات التي تخضع بشكل مباشر لإشراف ورقابة وإدارة قسم المشتريات داخل المؤسسة. بعبارة أخرى، هو ذلك الجزء من إنفاق الشركة الذي يتم من خلال قنوات وإجراءات معتمدة، وباستخدام موردين مفضلين تم التفاوض معهم مسبقًا، وبموجب عقود مُبرمة. هذا النوع من الإنفاق يتميز بالشفافية والقابلية للتحليل والتحكم، ويُعتبر عكس “الإنفاق العشوائي” أو “الإنفاق المارق” (Maverick Spend) الذي يحدث خارج سيطرة قسم المشتريات وبدون اتباع السياسات المعتمدة.

إيضاح مفهوم الإنفاق تحت الإدارة

لكي يُعتبر الإنفاق “تحت الإدارة”، يجب أن يمر عبر عمليات المشتريات المُعرّفة والمنظمة. هذا يشمل استخدام أوامر الشراء الرسمية، والحصول على الموافقات اللازمة، والتعامل مع موردين تم اختيارهم وتقييمهم بعناية، والاستفادة من الأسعار والشروط التي تم التفاوض عليها. الإنفاق الذي يتم بشكل مستقل من قبل الأقسام الأخرى دون الرجوع لإدارة المشتريات، أو شراء احتياجات بسيطة ومتكررة (Tail Spend) بدون عقود، أو التعامل مع موردين غير معتمدين، كل هذا يقع خارج نطاق الإنفاق تحت الإدارة. الهدف هو توسيع نطاق هذا التحكم ليشمل أكبر قدر ممكن من إنفاق المؤسسة.

أهمية قياس الإنفاق تحت الإدارة

يُعد قياس نسبة الإنفاق تحت الإدارة مؤشر أداء رئيسيًا (KPI) بالغ الأهمية لتقييم فعالية وكفاءة قسم المشتريات. إن ارتفاع هذه النسبة يعكس مدى نضج وظيفة المشتريات وقدرتها على التأثير الاستراتيجي داخل المؤسسة. فالسيطرة الأكبر على الإنفاق تتيح رؤية أوضح وأشمل لأنماط الصرف، وتُمكن من تحديد فرص التوفير بشكل أدق، وتحسين إدارة المخاطر المتعلقة بالموردين والامتثال للوائح والقوانين. كما أنه يعزز القدرة التفاوضية للمؤسسة ويساهم في بناء علاقات أقوى وأكثر استراتيجية مع الموردين الرئيسيين.

كيفية احتساب نسبة الإنفاق تحت الإدارة

يتم احتساب نسبة الإنفاق تحت الإدارة عادةً باستخدام المعادلة البسيطة التالية: نسبة الإنفاق تحت الإدارة (%) = (إجمالي الإنفاق المُدار بواسطة المشتريات / إجمالي الإنفاق الكلي القابل للإدارة) × 100 “إجمالي الإنفاق المُدار” هو مجموع كل عمليات الشراء التي تمت وفقًا لسياسات وإجراءات المشتريات المعتمدة. أما “إجمالي الإنفاق الكلي القابل للإدارة” (Total Addressable Spend) فهو يمثل إجمالي نفقات المؤسسة التي يمكن لقسم المشتريات التأثير عليها بشكل معقول، وقد يُستثنى منه بعض البنود مثل الرواتب والضرائب والإيجارات الثابتة. يتطلب الحساب الدقيق جمع بيانات شاملة وموثوقة عن جميع نفقات الشركة وتصنيفها بشكل صحيح.

الفوائد الرئيسية لتطبيق مفهوم الإنفاق تحت الإدارة

إن التركيز على زيادة نسبة الإنفاق تحت الإدارة يجلب العديد من الفوائد الملموسة للمؤسسة. أولًا، يؤدي إلى تحقيق وفورات أكبر في التكاليف من خلال تحسين القدرة على التفاوض، والاستفادة من خصومات الكميات، وتوحيد المشتريات. ثانيًا، يساهم في تقليل المخاطر من خلال ضمان التعامل مع موردين موثوقين والالتزام بالعقود والشروط المتفق عليها، مما يحسن الامتثال للمعايير الداخلية والخارجية. ثالثًا، يعزز كفاءة العمليات بتقليل الوقت والجهد المبذولين في عمليات الشراء غير المنظمة. وأخيرًا، يمنح الإدارة العليا رؤية استراتيجية أفضل للإنفاق، مما يدعم اتخاذ قرارات مستنيرة.

التحديات الشائعة في إدارة الإنفاق الخاضع للرقابة

على الرغم من فوائده الجمة، تواجه المؤسسات تحديات عديدة في زيادة نسبة الإنفاق تحت الإدارة. من أبرز هذه التحديات ضعف جودة البيانات وعدم اكتمالها، مما يصعّب عملية تحليل الإنفاق وتحديد الفرص. كما أن غياب عمليات شراء موحدة ومعايير واضحة بين الأقسام المختلفة يؤدي إلى صعوبة في فرض الرقابة. مقاومة التغيير من قبل بعض الإدارات أو الموظفين الذين اعتادوا على الشراء المباشر تُعد عقبة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر إدارة “الإنفاق الهامشي” (Tail Spend) الذي يشمل عددًا كبيرًا من المعاملات منخفضة القيمة تحديًا كبيرًا يتطلب استراتيجيات خاصة.

استراتيجيات فعالة لزيادة الإنفاق تحت الإدارة

للتغلب على التحديات وزيادة نسبة الإنفاق الخاضع للرقابة، يمكن للمؤسسات تبني عدة استراتيجيات فعالة. أولًا، يجب وضع سياسات وإجراءات شراء واضحة ومُلزمة لجميع الأقسام وتعميمها بشكل جيد. ثانيًا، يُعد مركزية وظيفة المشتريات أو تطبيق نماذج هجينة (مركزية-لامركزية) أمرًا ضروريًا لضمان التنسيق والسيطرة. ثالثًا، الاستثمار في أدوات وتقنيات المشتريات الإلكترونية (e-Procurement) يُسهل الامتثال ويوفر رؤية أفضل. رابعًا، تطبيق إدارة الفئات (Category Management) يساعد في تطوير استراتيجيات متخصصة لكل فئة من فئات الإنفاق. خامسًا، بناء علاقات قوية مع أصحاب المصلحة داخل المؤسسة وإشراكهم في العملية يُعزز الالتزام بالسياسات.

دور التكنولوجيا في تحسين إدارة الإنفاق

تلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في تمكين المؤسسات من زيادة الإنفاق تحت الإدارة وتحسين كفاءة المشتريات بشكل عام. أنظمة “الشراء للدفع” (Procure-to-Pay P2P) تُمكن من أتمتة دورة الشراء بأكملها، بدءًا من طلب الشراء وحتى دفع الفاتورة، مما يضمن الامتثال للسياسات والعقود. أدوات تحليل الإنفاق المتقدمة (Spend Analytics) توفر رؤى عميقة حول أنماط الإنفاق وتساعد في تحديد فرص التوفير والمخاطر. كما تُستخدم أنظمة إدارة العقود (Contract Management Systems) لتخزين العقود وتتبعها وضمان الالتزام ببنودها. تُسهم هذه التقنيات مجتمعة في توفير الشفافية، وتقليل الأخطاء اليدوية، وتحسين عملية اتخاذ القرار.

العلاقة بين الإنفاق تحت الإدارة وتوفير التكاليف

توجد علاقة مباشرة وقوية بين زيادة نسبة الإنفاق تحت الإدارة والقدرة على تحقيق وفورات في التكاليف. كلما زادت نسبة الإنفاق التي تمر عبر قنوات المشتريات المعتمدة، زادت الفرص المتاحة للتفاوض على أسعار أفضل، وتجميع الطلبات للحصول على خصومات حجمية، وإجراء مناقصات تنافسية بين الموردين. كما أن الرقابة الأفضل تساعد في القضاء على الإنفاق غير الضروري أو المزدوج. على الرغم من أن ارتفاع نسبة الإنفاق تحت الإدارة لا يضمن تحقيق الوفورات تلقائيًا، إلا أنه يُهيئ البيئة اللازمة ويُمكّن فرق المشتريات من تطبيق استراتيجيات خفض التكاليف بفعالية أكبر.

مؤشرات الأداء الرئيسية المرتبطة بالإنفاق تحت الإدارة

إلى جانب نسبة الإنفاق تحت الإدارة نفسها، هناك مجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية الأخرى التي ترتبط بها وتساعد في قياس نجاح إدارة المشتريات. تشمل هذه المؤشرات نسبة الوفورات المحققة على الإنفاق المُدار، ومعدل الامتثال للعقود (Contract Compliance Rate)، ونسبة الإنفاق مع الموردين المفضلين، ومقاييس أداء الموردين (مثل التسليم في الوقت المحدد والجودة)، وتقليل زمن دورة الشراء (Procurement Cycle Time). إن تتبع هذه المؤشرات جنبًا إلى جنب مع نسبة الإنفاق تحت الإدارة يوفر صورة أكثر شمولية لأداء وظيفة المشتريات وتأثيرها على المؤسسة.

مستقبل إدارة الإنفاق في المؤسسات

يتجه مستقبل إدارة الإنفاق نحو مزيد من الأتمتة والذكاء والتركيز الاستراتيجي. من المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة دورًا أكبر في تحليل الإنفاق، والتنبؤ بالاحتياجات، وتحديد المخاطر، واقتراح فرص التحسين. كما سيزداد التركيز على دمج اعتبارات الاستدامة والممارسات الأخلاقية ضمن عمليات إدارة الإنفاق والموردين. ستصبح الحلول التقنية أكثر تكاملاً، لتربط بين المشتريات والمالية وسلاسل الإمداد بشكل وثيق. سيتحول دور أخصائي المشتريات بشكل متزايد من التركيز على المعاملات التشغيلية إلى لعب دور استشاري استراتيجي يساهم في تحقيق أهداف المؤسسة العليا.

خاتمة

إن مفهوم الإنفاق تحت الإدارة ليس مجرد رقم يُقاس، بل هو فلسفة إدارية تعكس التزام المؤسسة بالتحكم المالي والكفاءة التشغيلية. إن زيادة نسبة الإنفاق الخاضع لرقابة المشتريات تُعد رحلة مستمرة تتطلب التزامًا من الإدارة العليا، وتعاونًا بين الأقسام، واستثمارًا في الأدوات والكوادر المناسبة. من خلال الفهم العميق لهذا المفهوم وتطبيق الاستراتيجيات الفعالة لتعزيزه، يمكن للمؤسسات إطلاق قيمة كبيرة، وتحقيق وفورات مستدامة، وتعزيز مكانتها التنافسية في السوق.


إحصائيات مفيدة

  • يعتبر الإنفاق المارق (Maverick Spend) من أبرز نقاط الألم لـ 20% من الشركات الكبيرة (إيرادات تزيد عن مليار دولار).
  • تعتقد 67% من الشركات أن تجاهل سياسات المشتريات أو عدم وجودها هو السبب الرئيسي للإنفاق المارق.
  • أفادت 31% من المؤسسات التي طبقت حلول المشتريات الإلكترونية بأنها حققت سيطرة أفضل على الإنفاق المارق.
  • يرى 100% من قادة تجربة العملاء والامتثال (E&C Leaders) أن تقليل الإنفاق المارق يُمثل أولوية هامة أو هامة جدًا.
  • تُظهر بيانات الإنفاق لعام 2023 زيادة بنسبة 17% في عدد المطالبات التي تفتقد للإيصالات وزيادة بنسبة 29% في قيمة الإنفاق لهذه المطالبات.
  • مبدأ باريتو (80/20) يُطبق غالبًا على الإنفاق، حيث يُعتقد أن حوالي 80% من الإنفاق يمكن إدارته بشكل استراتيجي، بينما يمثل 20% “إنفاقًا هامشيًا” (Tail Spend) يصعب التحكم فيه بالكامل.
  • تشير الاتجاهات الحديثة إلى زيادة التركيز على موافقات ما قبل السفر (64% من الشركات لاحظت ذلك)، مما يعكس رغبة أكبر في التحكم بالإنفاق.


أسئلة شائعة

  • ما هو الإنفاق تحت الإدارة (Spend Under Management)؟ هو ذلك الجزء من إجمالي نفقات الشركة الذي يخضع بشكل مباشر لإدارة ورقابة قسم المشتريات، ويتم من خلال سياسات وعقود وموردين معتمدين.

  • لماذا يعتبر قياس الإنفاق تحت الإدارة مهمًا؟ لأنه مؤشر رئيسي على كفاءة قسم المشتريات وقدرته على التحكم في التكاليف، وتقليل المخاطر، وتحقيق وفورات، وزيادة الشفافية في الإنفاق.

  • كيف يمكنني زيادة نسبة الإنفاق تحت الإدارة في شركتي؟ عن طريق تطبيق سياسات شراء واضحة، واستخدام أدوات المشتريات الإلكترونية، وتوحيد المشتريات، وإدارة الفئات بفعالية، وتعزيز التعاون مع الأقسام الأخرى، والتركيز على تحليل بيانات الإنفاق.

  • ما الفرق بين الإنفاق تحت الإدارة وإجمالي الإنفاق؟ إجمالي الإنفاق هو كل ما تنفقه الشركة. أما الإنفاق تحت الإدارة فهو جزء من إجمالي الإنفاق (الجزء القابل للإدارة) الذي يتم التحكم فيه وإدارته بواسطة قسم المشتريات.

  • هل الإنفاق تحت الإدارة يضمن تحقيق وفورات؟ ليس بالضرورة بشكل مباشر، ولكنه يُمكن قسم المشتريات من تطبيق استراتيجيات التفاوض والشراء التي تؤدي إلى تحقيق وفورات أكبر مقارنة بالإنفاق غير المُدار أو العشوائي. إنه عامل تمكين رئيسي لتحقيق الوفورات.

LinkedIn
Facebook
X
Pinterest

Author

Leave a comment