
اكتشاف “لماذا” وراء السلوك الاستهلاكي 95% من قرارات المستهلك تتخذ بشكل غير واعٍ
يمكن للبيانات الضخمة والتحليلات الرقمية أن تكشف عن العديد من الأنماط والاتجاهات الاستهلاكية، يبدو أن فهم “لماذا” نختار منتجات معينة، وكيفية اتخاذنا للقرارات الشرائية هو سؤال بالغ الأهمية. تتجلى هذه الأهمية بشكل أكبر عندما نفكر في أن سلوك المستهلك ليس مجرد استجابة عقلانية لاحتياجات السوق، بل هو نتاج مجموعة معقدة من العواطف والبيئة الاجتماعية والقيود النفسية. من أجل استكشاف هذه الفكرة بشكل أعمق، دعونا نستعرض رؤية روري ساذرن، الخبير البارز في Ogilvy U.K. في تحليل سلوك المستهلك وفهم “لماذا” نفعل ما نفعله.
1. العوامل النفسية خلف القرارات الشرائية: لماذا نفعل ما نفعل؟
تبدأ رحلة سلوك المستهلك عند النقطة التي يتفاعل فيها الفرد مع العلامات التجارية والمنتجات بشكل يومي. وفقاً لروري ساذرن، فإن سلوك المستهلك مدفوع بشكل رئيسي بالعواطف، وليس فقط العقلانية. تبرز دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن حوالي 95% من قرارات المستهلك تتخذ بشكل غير واعٍ، مما يعنى أن العواطف تلعب دوراً أساسياً في تشكيل هذه القرارات. يؤكد ساذرن على أن التفاعل بين الإنسان والعلامة التجارية ليس مجرد علاقة ميكانيكية، بل هو عملية معقدة تتضمن مشاعر مثل الرغبة، الإحباط، والإثارة.
2. التحيزات المعرفية وكيفية تأثيرها على الشراء: هل كل شيء منطقي حقاً؟
يتحدث روري ساذرن عن التحيزات المعرفية التي تؤثر على سلوك المستهلك وكيف يمكن لهذه التحيزات أن تعطل عملية اتخاذ القرار بطريقة غير عقلانية. على سبيل المثال، التحيز للتأكيد يمكن أن يجعل الأفراد يبحثون عن المعلومات التي تدعم رأيهم المسبق، مما يؤثر على اختياراتهم بشكل غير منطقي. كذلك، يؤثر التحيز للتوفر، حيث نميل إلى تفضيل المنتجات التي نراها بشكل متكرر، حتى وإن لم تكن الأفضل بالنسبة لنا. هذه التحيزات تؤكد على أنه ليس كل قرار نعتقد أنه منطقي هو بالفعل كذلك، بل إننا قد نختار بناءً على عوامل غير مدركة.
3. الاستراتيجيات الدعائية وكيفية توجيه العواطف: تأثير الإعلانات على قرارات المستهلكين
يركز روري ساذرن على دور الإعلان في تشكيل سلوك المستهلك من خلال التأثير على العواطف. يشير إلى أن الشركات تستخدم الحكايات والإعلانات العاطفية بشكل متزايد لتحقيق التأثير المطلوب. يقول ساذرن: “إذا لم تبكِ بعد مشاهدة إعلان، فهذا الإعلان لم يؤدِ وظيفته”. وهذا يعنى أن الشركات تسعى بشكل متزايد لاستخدام قصص تثير المشاعر لتعزيز الولاء للعلامة التجارية. تعتبر الإعلانات التي تركز على العواطف أكثر نجاحاً في جذب الانتباه، مما يؤدي إلى تفضيل المنتجات وزيادة المبيعات.
4. تأثير البيئة الاجتماعية: كيف يؤثر ما حولنا على خياراتنا؟
يركز ساذرن على تأثير البيئة الاجتماعية والعوامل الثقافية على سلوك المستهلك. يشير إلى دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد التي أثبتت أن المستهلكين أكثر عرضة لتغيير عاداتهم الشرائية بناءً على سلوكيات الجماعة المحيطة بهم. يستخدم ساذرن مثالاً على كيف أن الأشخاص يميلون إلى شراء المنتجات التي يستخدمها المشاهير أو يستخدمها الآخرون في دائرتهم الاجتماعية. يؤكد ساذرن أن “ما يجعل الأشياء مرغوبة ليس دائماً أفضل ما يجعلها متاحة” وهذا يؤكد دور البيئة الاجتماعية في تشكيل التفضيلات والقرارات الشرائية.
5. خلاصة: فهم دوافع المستهلكين هو المفتاح لتحقيق نجاح مستدام
في النهاية، يعتقد روري ساذرن أن فهم “لماذا” يفعل الناس ما يفعلونه هو المفتاح لتحقيق نجاح مستدام للعلامات التجارية. يتمثل التحدي في عدم الاعتماد فقط على التحليل الرقمي والبيانات الضخمة، بل فهم السياق الاجتماعي والعواطف التي تقود المستهلكين. بدلاً من التركيز فقط على العوامل المنطقية، يجب على الشركات النظر إلى العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤثر على سلوك المستهلك. كما يقال في عالم الأعمال: “العاطفة تتجاوز العقلانية في العديد من الأحيان”.
بهذا النهج المتكامل، يمكن للعلامات التجارية التفاعل بشكل أعمق مع جمهورها المستهدف، مما يؤدي إلى بناء ولاء دائم وتعزيز قدرتها على المنافسة في السوق.
خاتمة:
في عالم متغير باستمرار، يكمن مفتاح النجاح في فهم “لماذا” وراء السلوك الاستهلاكي. العلوم السلوكية ليست مجرد أداة، بل منهج تفكير يساعد المسوقين على التواصل بشكل أعمق وأكثر ذكاءً مع المستهلكين. كما يقول سذرلاند: “المنطق أداة، وليس قاعدة”، وهي دعوة للمسوقين للتفكير خارج الصندوق وفهم التعقيدات الإنسانية بعمق أكبر.



